تأملات في الشقاء العربي
هل من حاجة لوصف الشقاء العربي؟ تكفي بعض الارقام للاشارة الى عمق المأزق الذي تتخبط فيه المجتمعات العربية: نسبة الأمية، الهوة التي تفصل بين الاغنياء، وغناهم فاحش، والفقراء، وفقرهم مدقع، اكتظاظ المدن، تصحّر الاقاليم... قد يقال انه القدر المشترك لما كنا ندعوه العالم الثالث، وان هناك فقراً اكبر في شوارع كلكوتا، وتفاوتاً اجتماعياً أعمق في ريو دي جانيرو، وهذا صحيح. غير أن الشقاء ليس مأزقاً تنموياً، ولا مسألة طبقات اجتماعية، ولا حتى تقصيراً تربوياً. خصوصية الشقاء العربي انه يضرب فئات لا يطاولها الشقاء في المجتمعات الاخرى، ويتجلى في المفاهيم والمشاعر اكثر من تجليه في الارقام، بدءاً بالشعور المتجذر والشائع بأن المستقبل مسدود. امام هذا الداء المتعدد الشكل والذي لا شفاء منه، لا مجال للاستكانة، الا، ربما، عبر الهروب الفردي، هذا اذا كان الهروب ممكناً. والحال ان الشقاء العربي هو ايضاً وليد نظرة الآخرين. هذه النظرة تحول دون الفرار، وتذكرك بما فيها من ريبة وعجرفة، بوضعك الذي لا مهرب منه، ساخرة من عجزك وقاضية على آمالك في شكل مسبق. امام المراكز الحدودية لا يشعر بما في هذه النظرة من حكم قاطع، الا من يحمل جواز سفر صادراً عن احدى الدول الموبوءة، ولا يقدّر مدى الشلل الذي تسببه هذه النظرة الا من يقارن القلق الذي يشعر به بيقين الآخرين. يمكن تجاوز نظرة الآخر ، او تجاهلها بكل بساطة، لكن كيف يمكن التخلص من النظر الى الآخر ؟ كيف يمكن تفادي المقارنة التي تستوجبها؟ ليس من الضروري الذهاب الى حد القياس على غرب لا يزال مهيمناً، ولكنه بالرغم من ذلك، يرتكز على مواطنية منفتحة ارستها فيه حصانة القانون وحقوق الانسان، قادرة على دحر المحاولات المتكررة للتضييق عليها. يمكن تجاوز نظرة الآخر ، او تجاهلها بكل بساطة، لكن كيف يمكن التخلص من النظر الى الآخر ؟ كيف يمكن تفادي المقارنة التي يستوجبها؟ ليس من الضروري الذهاب الى حدّ القياس على غرب لا يزال على طغيانه. ولا الاستغراق في النظر في اشكال التفاوت التي تكشفها المقارنات بين حضارة لا تتوقف عن احتضان الثورات التكنولوجية، وعالم لا يزال في العصر ما قبل الصناعي، مكتفياً باستهلاك الانجازات التي حققها الآخرون. مقارنات اكثر تواضعاً كافية لاثارة الشعور بالاحباط، كما مع آسيا مثلاً، حيث ضاعف النمو الاقتصادي من اعداد النمور و التنانين ، او مع اميركا اللاتينية، حيث وصل التحول الديموقراطي نقطة اللارجوع. وحتى مع افريقيا جنوب الصحراء، حيث تتجاور التجارب الديموقراطية مع حروب أهلية مروعة. هذه المناطق التي بدا، الى زمن قريب، انها تشترك مع العرب في سوء التنمية والعسف السياسي، لا تزال بعيدة من بلوغ التكافؤ مع دول الشمال الصناعية والديموقراطية، لكنها تمتلك انجازاتها ضد اليأس: خطوات واثقة نحو الديموقراطية، نمو اقتصادي ومهارة تكنولوجية يثيران حسد اوروبا، وقدرة على المبادرة في مجال العلاقات الدولية. وأحياناً تجتمع هذه العناصر في مكان واحد، بينما يعاني العالم العربي نقصاً فادحاً في جميع هذه المستويات. إزاء الارتباك الناجم عن نظرة الآخر، او المقارنة معه، لا ينقذ الوعي الذاتي الكثير. فالذات باتت من الهشاشة بحيث تكفي اقل الامور لتعكيرها. اقل الامور هذا صار لازماً اليوم، وهنا تكمن السمة الاكثر وحشية للشقاء العربي. اذ لم يعد ثمة حاجة الى معيار خارجي كي ينطلق من عنانه. لا شك ان الاحساس الهائل بالعجز الذي يتولد عنه هذا الشقاء، يتغذى من البكاء على اطلال الامجاد، وقياس الذات تالياً على مرجع معياري تاريخي مأخوذ من زمن آخر. عجز العرب اكثر ايلاماً لأنه لم يكن في الماضي. وبتعبير اكثر دقة، فإن شقاء العرب سببه عجزهم عن ان يكونوا بعدما كانوا. للاسف، فإن هذا لم يعد صحيحاً ايضاً. البكاء على الامجاد، الذي لعب دوراً في تشكيل القومية الحديثة والممارسات التحررية، فقد فاعليته. وبلغت آثار الشقاء العربي الموهنة حداً، نجحت عنده في ابعاد التاريخ، فارضة عجزاً متأبداً يقضي على احتمالات يقظة جديدة. صار العجز رمز الشقاء العربي: العجز ان تكون ما تعتقد انه يجب ان تكونه. العجز عن الفعل من اجل تأكيد ارادتك في الوجود، ولو في حدود الامكان، في مواجهة آخر ينكر وجودك ويزدريك، ويهيمن عليك من جديد. العجز عن اخماد الشعور بأنك لم تعد سوى كمية مهملة على رقعة الشطرنج الكونية، بينما تدور اللعبة في ارضك. شعور لم يعد قابلاً للكبت بعدما اعادت حرب العراق الاحتلال الاجنبي الى الارض العربية، وكان من نتائجها جعل زمن الاستقلالات هامشاً. هنا، ليس مهماً ان يكون المرء مؤيداً للحرب او معارضاً لها. بالنسبة الى معارضي الحرب الاميركية لاسباب قومية يجب أن لا نمزج بينهم وبين ملايين البشر الذين نزلوا الى شوارع اوروبا واميركا للتعبير عن رفضهم الاملاءات الاميركية فالعجز لا يحتاج الى برهان. انه قائم على مسلمة بسيطة وإن تكن مرة، بأن لا شيء يمكن القيام به من اجل منع قوة اجنبية، هي الأعتى في التاريخ البشري، من عبور ملايين الكيلومترات لكي تلعب دور الشرطي في ارضك، وتقضي في اسابيع قليلة على دولة مرعبة لمواطنيها وجيرانها على الاقل. اضافة الى ذلك، فانه يبدو، ولمزيد من الخزي، انه لو كان لقوة أن تؤخر الحرب الاميركية، فلن نعثر عليها في الجماهير العربية ، وانما في المجتمع المدني العالمي، الذي تسعى حركة العولمة البديلة الى انشائه، وليس للعرب فيه سوى دور في منتهى الضآلة. وحتى اذا احيت الصعوبات التي يواجهها الاحتلال الاميركي بعض الحمية القومية، فإن اولئك الذين يغتبطون بها يدركون أنهم لا يستطيعون الرهان على ميزان قوى محلي او اقليمي، وانما على قدرة المجتمع الخصم نفسه على رد الفعل. ذلك لأنهم يعرفون انه ديموقراطي ومكتف في الآن نفسه. وهكذا يعود القرار الاخير الى غيرهم، وليس الى قدرتهم على تجاوز العجز. اما بالنسبة الى مؤيدي الحرب، فالعجز معطى اول لديهم. موقفهم المتواطئ او الانتهازي او الانتظاري تجاه الحسابات الاميركية، ناجم عن اقتناعهم بأن التغيير الحيوي جداً بالنسبة الى المجتمعات العربية، لا يمكن ان يقوم به ابناء المنطقة، وان انجازه يحتاج الى مساعدة خارجية. ومع ذلك يستمر العجز بعد حصول هذه المساعدة. المنتصر يتخذ القرارات وحده، وهذا واقع لا يتجاهله الا اولئك الذين يتوهمون حول قدرتهم على التأثير في مجرى الاحداث، عبر لعبهم دور المستشارين الشرقيين او المخبرين المحليين. ولا شك ان القرارات المتلاحقة والمترجرجة التي اتخذها نائب الملك في العراق، وان تكن قاطعة، فاقمت من هذا الاحساس بالعجز. الممارسة الاميركية التي لا تتصف بالكثير من الديموقراطية، زادت صفوف الذين يفضلون النضال ضد الهيمنة الاجنبية على النضال من اجل الديموقراطية. وخصوصا أن المفهوم السلبي الكولونيالي للهيمنة الاميركية على العراق، يغذيه شعور عام بأن الاميركيين يميلون للعمل ضدنا . وليس من الضروري ان تكون مدفوعا بالايديولوجيا الاسلامية لكي ينتابك هذا الاحساس. اذ يكفي الدعم الاميركي الثابت للتطرف الاسرائيلي من اجل تبرير هذه النظرة. لم يكن هناك من حاجة لانتظار الاحتلال الاميركي للعراق كي يأكل العجز العرب. فعند كل فصل من قضية فلسطين، كان العجز ماثلا وقادرا على الارباك، الى درجة ان الخبراء الاكثر اطلاعا على موازين القوى الفعلية، لم يتأخروا عن قياسه على اساس المفاضلة الديموغرافية بين الاسرائيليين والعرب. وننبه هنا، الى اننا لا نريد استعادة الافكار الجاهزة التي راجت حول نكبة 1948، والتي كانت اقل مفاجأة مما يظن، اذ توقعتها القيادة البريطانية العليا منذ عام 1946، لأنها كانت تعرف ما فات قادة الدول العربية الناقصة الاستقلال في ذلك الحين معرفته. فمنظمة الهاغاناه اليهودية كانت متفوقة عدديا على الجيوش العربية مجتمعة. ولا نستعيد غبطة الاستخدام الاسرائيلي للعام 1956، وهو في المناسبة انجاز نسبي، لأنه لم يكن ممكنا لولا مشاركة الطيارين الفرنسيين، والقرار الحكيم الذي اتخذه عبد الناصر بسحب جيشه من صحراء سيناء من اجل الدفاع عن القاهرة، التي كانت الهدف الفعلي في رهانات العدوان الثلاثي. ولا نحوّل الانجاز الاسرائيلي الآخر عام 1967، وهو انجاز لا ريب فيه، نموذجا يدين عجز العرب في اعتباره عجزا وراثيا حضاريا. في كل من هذه المراحل، تجلت رغم كل شيء، ارادة حازمة للمقاومة، ورغبة في النهوض من الكبوة. بعد حرب 1967، جاءت حرب الاستنزاف التي خاضها الجيش المصري، ثم عبوره القناة، ليس من اجل محو العار فقط، كي نقتبس احدى العبارات الرائجة في قاموس الخطابات العربية، بل لتبرهن على قدرة العرب على الامساك بمصيرهم. ولكن هذا لم يحدث يا للمفارقة. منذ نصف الانتصار او نصف الهزيمة عام 1973، واسرائيل تتسيد وحدها على الشرق الاوسط. حيدت القوة المصرية الرادعة بعد السلام الساداتي، اطمأنت الى الدعم المطلق من القوة الاميركية العظمى، وثقت من الافلات من المحاسبة المعنوية الذي ضمنه الوعي الاوروبي الشقي، اعتمدت على ترسانة نووية بنتها بمساعدة فرنسا، القوة الاوروبية العظمى، وتستمر في تطويرها وسط صمت كل الامم، وصار في امكانها ان تفعل ما تشاء وما يتراءى لقادتها من توهمات الهيمنة. التفوق الاسرائيلي، الذي يكوّن العرب نظرتهم الى العالم والى انفسهم على اساسه، صنع نموذجه في حصار بيروت صيف 1982. ففي سابقة الهجوم على عاصمة عربية، بدا الطيران الاسرائيلي في وضع استعراضي، مضاعفا قصفه المكثف، الذي لم ينج منه حتى الكنيس اليهودي في بيروت الذي كان في حماية المقاتلين الفلسطينيين، وممارسا بهلوانيته بالذخيرة الحية، وصولا الى محاولة اغتيال ياسر عرفات شخصيا، مستخدما في احدى المرات قنبلة فراغية قوضت في لحظة مبنى بكامله. اضافة الى استخدام تقنيات من عصور سابقة، كالحصار الغذائي وقطع الماء ولم يتمكن احد، لا الجماهير العربية ولا الديبلوماسية النفطية، من وقف هذا الاذلال. ولعل الطريقة التي تم من خلالها الحصول على مهلة من اجل إعادة تزويد بيروت الماء، ترمز الى العجز العربي في شكل فاقع. فقد اقتضى الامر وبعد الحاح بعض الشخصيات اللبنانية، اتصالا من الملك السعودي بالرئيس الاميركي طالبا منه تدخلا، لم يكن موفقا دائما، لدى رئيس الوزراء الاسرائيلي، الذي كان يستجيب مرة ويرفض مرة اخرى. شكلت هذه الاتصالات الهاتفية صورة مجازية لحال الديبلوماسية العربية ازاء الصراع العربي الاسرائيلي، اقله منذ ما بعد حرب 1973. القادة العرب العاجزون عن تغيير موازين القوى، يتوجهون الى الولايات المتحدة طالبين منها العمل على تخفيف التطرف الاسرائيلي، من دون اي نجاح يذكر الا في بعض المطالب العابرة. وحتى في الحالات هذه، فان الرد الاميركي الايجابي يأتي نتيجة الرغبة في تفادي تفاقم وضع حرج في نظر الاميركيين، وهذا لا ينطبق بالطبع على يوميات الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغريبة وغزة، ولا على السياسات الاستيطانية المستمرة منذ عام 1967. ولأن ميزان القوى لم يتغير، لم تهتم الولايات المتحدة الا نادرا بالانتهاكات الاسرائيلية الدائمة للقانون الدولي. يظهر هذا من العديد من مشاريع القرارات التي عطلها الفيتو الاميركي في مجلس الامن، كما يتضح في مصير القرارات، التي نجحت، بعد تشذيبها مرارا في تجاوز عائق واشنطن لتتحول حبرا على ورق. هذا كي لا نتكلم عن مصير قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة. من الطبيعي ان يعمق هذا القصور الديبلوماسي الشعور بالعجز، ومع تكاثر النصوص التي تدين السياسة الاسرائيلية او تستذكرها (هناك مجلدات منها)، يتجلى العجز العربي ازاء قضايا مثل ضم اسرائيل القدس الشرقية، او سياسة قضم المناطق المحيطة بالمدينة، او السياسة الاستيطانية الدؤوبة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد توقيع اتفاق اوسلو. مهما اعطي هذا القصور من تفسيرات، فان الاحباط لا يعوض بالشعور بالحق الشرعي الذي يؤيده القانون الدولي، ولا بأشكال التضامن التي يتم التعبير عنها هنا وهناك في العالم. ان تكون هذه الاوراق في اليدين، من دون القدرة على الاستفادة منها، يحول العجز نوعا من القدر، مثلما تبين اخيراً في مسألة بناء جدار الفصل العنصري. رغم القدر هناك شعبان على الاقل اختارا المقاومة، هما الفلسطينيون واللبنانيون. يحق للمقاومة اللبنانية ان تفتخر بأحد الانتصارات العربية النادرة على مدى التاريخ الطويل للصراع. الانتصار الذي تحقق على مرحلتين، لم يكن متوقعا، لأن لبنان هو إحدى اكثر الدول العربية ضعفاً، ولأنه انطلق من العدم. في مرحلة أولى، قامت جبهة موسعة، شكل اليسار عناصرها الاكثر فاعلية ونشاطاً اجبرت اسرائيل، بعد انسحابها من بيروت، حيث انطلقت المقاومة منذ بداية الاحتلال، على اخلاء المدن الكبرى في الجنوب اللبناني بعد ثلاثة اعوام من الكفاح المتواصل. اجبرت اسرائيل على التخلي عن مشروعها الاستراتيجي لجعل لبنان دولة تابعة لها، ولم يعد بقاء الاحتلال سوى مسألة ثمن يدفع. هذا الثمن صار باهظاً مع انطلاق المقاومة مجدداً في اواخر ثمانينات القرن الماضي، واقتضى ذلك من حزب الله الذي تولى المهمة، عشرة اعوام من اجل انجاز التحرير. لكنه اضطر اللبنانيين، اصحاب التاريخ في مواجهة الاحتلال، الى ان يقبلوا ان يصيروا مجرد ادوات في الحسابات التكتيكية السورية. اما بالنسبة الى سائر العرب، فإن الثمن لم يكن اقل ارتفاعاً، بمعنى ان المقاومة تحولت "وثنا"، يروج لها في وصفها هدفا في حد ذاته ومستقلا عن السياسة، ونموذجاً يصدّر الى الخارج، اياً تكن الظروف. بدءا بفلسطين، حيث موازين القوى مختلفة تماماً، وحيث المحتل على استعداد لتحمل تضحيات اكبر من اجل ديمومة الوضع القائم. الامور أصعب بما لا يُقاس بالنسبة الى الفلسطينيين، ومع ذلك لم يستطع شيء دفعهم الى اليأس. القدرة على الاحتمال والانقضاض مجدداً، تصلح نموذجاً لكل العرب. غير أن ايديولوجيا العرب حول المقاومة، لا تستطيع ان تتصور بطولة تتبلور في الممارسة اليومية.ورغم وجود نخبة سياسية اكتسبت مهارة رفيعة في مقاربة العلاقات الدولية وموازين القوى الاقليمية، تتسم نظرة العرب الى فلسطين، اكثر منها نظرة الفلسطينيين انفسهم، بطابع "المطلق". فاذا كانت الحركات الفلسطينية مسؤولة عند منعطف ستينات القرن الماضي عن منحى "حرب العصابات لا غير"، فان صنّاع الرأي في الدول العربية هم الذين فرضوا منحى "الانتفاضة لا غير" منذ التمرد الكبير في الاعوام 1987 1989، الى درجة ان الامر انتهى الى اعتبار الشعب الفلسطيني مكوناً بأكمله من ثوريين محترفين، شجاعته تعزي وتريح وتنفس عن كربة ضمير المتفرجين والمصفقين امام شاشات التلفزيون. لم يكن من شأن مقاومة اللبنانيين او الفلسطينيين الا ابراز حال العجز العامة، وهذا ما تؤكده يوما بعد آخر الانتفاضة الثانية التي انطلقت شرارتها في ايلول 2000. منحى "الانتفاضة لا غير" يعني ان اجراء اي جردة حساب يستدعي الاتهام الفوري بالخيانة، وخصوصا ان تحويل الانتفاضة "وثنا"، بدءا بالمبالغة في تعميم النموذج اللبناني، يحول دون البحث في الوسائل، ويقود الى تفضيل الباهر على الناجح، كالعمليات الانتحارية. كما أن اسلحة النضال الفلسطيني، على الرغم من نتيجته الموقتة التي تحرك مشاعر الفخر المفقود في اوساط الرأي العام، لا تستطيع تبديد العجز او تبديد صورة الشقاء على وجه الخصوص. على العكس من ذلك، فان من نتائج الخلط القائم بين فلسطين والعراق، والذي لا يخدم هذه وذاك، أن يغرق الصورة التي كوّنها عرب الشرق الاوسط عن انفسهم، والصورة التي كوّنها العالم عنهم في مستنقع هائل من الدم. الحقيقة ان العجز ليس سبباً للقياس عند كل العرب. فهناك شريحة فاعلة ومتنامية على ما يبدو، تجد في هذه الجحيم مبرراً، لا يعترف به، للتهليل وتشريع عنف تدميري شامل او شمشوني في افضل الحالات. وفي الواقع، ليس هناك ما يقلق القيمين على الاسلام الراديكالي. فحتى التشهير بـ"الصليبية" الغربية يحمل عندهم قيمة تتمثل في اثبات عظمة الضحية، التي يطلب منها ان تؤدي دورها كضحية كسباً للجنة. هذا المنحى الديني هو في ذاته احدى علامات الشقاء العربي. ومن الطبيعي ان النظر الى الاسلام السياسي كاحد عوامل المأزق العربي، يمكن اعتباره وليد موقف علماني متشدد، فليكن، ولكن ذلك لا يعني انه يجب المضي، بالرغم من التحولات التاريخية، في محاكمة الحركات الاسلامية على مواقفها السابقة، اذ سبق لها ان خدمت اللعبة الاميركية، وكذلك الاحتلال الاسرائيلي. من حق الجميع تغيير سياساتهم. ويجب على الارجح الاقرار للاسلاميين بأن تحولهم نهائي، والتزامهم صادق ضد الهيمنة الاجنبية. غير ان هذا لا يكفي للقبول بهذا الالتزام في اعتباره الخيار الوحيد الممكن. ذلك ان الاصولية الاسلامية، اذا لم تكن، او لم تعد، عميلة للأجنبي، فانها تجعل هذا الاجنبي على حق. فهي حين تبرر صدام الحضارات الى حد ممارسته، تقدم لمؤيدي الصليبية فرصة اللقاء، كما تعطي الغرب فرصة استخدام مختلف الوسائل التي تسمح بها قدراته التكنولوجية كي يحافظ على تفوقه على العرب، مؤبداً عجزهم
Website by
Tarek Atrissi Design
. For more info on this site
contact us
. Special thanks and
acknowledgments
. Suggested
Links